صفحة 217
الإصحاح 3 · رسالة بطرس الأولى
۸۳
تفسير رسالة بطرس الأولى
«ترابطًا متينًا بين المناقبيَّة الكتابيَّة ومناقبيَّة العصور القديمة اللاحقة لحقبة تدوين الكتاب المقدَّس» (Shelkle)، بل صياغة لغويَّة راقية للمناقبيَّة المسيحيَّة قام بها كاتب هذه الرسالة. هنا تتبدَّى لنا الفصاحة والثقافة الهلِّينيَّة التي يتمتَّع بها سلوانوس مدوِّن أفكار بطرس بأسلوبه الخاص (راجع المقدِّمة). عبارة «ὁμόφρονες» الواردة عند هوميروس (X 263) تعني: الرغبة النفسيَّة المشتركة، التوافق في الرأي، التناغم في الخلق الذي هو من خاصيَّة الأقارب بالجسد (6,3,3 Γεωγραφικά، Στράβωνα: التوافق في الرأي «ὁμόφρονας» كأنَّهم إخوة بعضهم لبعض»). وبحسب إيكومانيوس «التوافق في الرأي ὁμοφροσύνη» هو التلاقي حول أمر ما مع إمكانيَّة الاختلاف». لسنا هنا، بالطبع، أمام تعبير واحد متجحِّر، كما هي الحال في الأنظمة التوتاليتاريَّة، ولا أمام مطابقة كليَّة في الأفكار والآراء، الأمر الذي يمجُّه المفكِّرون والأحرار، بل أمام تعدُّديَّة متناغمة تنبع من الإيمان الواحد، وتستند إلى رجاء المؤمنين الواحد. وقد أصاب Spicq في قوله إنَّ الرسول «لا يعالج هنا التوافق فقط: «كونوا جميعًا متوافقين»، كما تترجم عادة هذه العبارة، بل رأيًا آخر صادرًا عن الإيمان ذاته والمحبَّة ذاتها، ولو اختلف عن التوافق، كما أنَّ المؤمنين، وإن كانوا من مصادر عرقيَّة مختلفة، تبقى لديهم آراء وأولويَّات مشتركة وردود فعل مماثلة أمام أكثر المسائل اختلافًا. نحن أمام إدانة للمتطرِّفين، للأطباع الشموليَّة، ولن يعتبرون أنَّ هناك استحالة لأيِّ شكل من أشكال العيش المشترك». رأي كهذا يعتبر غريبًا عن روحيَّة الرسول، لا بل مناقضًا لتاريخ الكنيسة في الحقبة الرسوليَّة كما تبدى لنا، مثلا، عبر مجمع الرسل ومقرَّراته. فتنوُّع الآراء يشكِّل فرضيَّة لتناغم حقيقي (راجع هنا الصورة الواردة عند إغناطيوس، أف ٤، ١-٢: «إنَّ مشيختكم المحترمة جديرة بالله ومرتبطة مع أسقفها ارتباط الأوتار بالقيثارة، لذلك بتناسقكم وباتِّفاق المحبَّة بيسوع المسيح، يرتفع المديح والتمجيد، ليدخل كلُّ واحد منكم في هذا الجوق، لكي تتوحَّد نغماتكم، فتأخذون طابعًا إلهيًّا وترتِّلون بصوت واحد بيسوع المسيح المدائح للآب». مركز الثقل إذا هو في الفكر المشترك، في الخلق المسيحيِّ الذي منه يصدر الوفاق، وتناغم «الجوق» في الكنيسة والذي يقوده الروح القدس.
«أمَّا Συμπάθεια – الشفقة»، فهي تجاه المثلين سوءًا، كما هي الرحمة تجاههم» (إيكومانيوس). هذه الصفة، بمعنى ذاك الذي يتألَّم مع المتألِّم ويشاركه نفسيًّا آلامه الماديَّة أو النفسيَّة، نصادفها في الأدب القديم (بلوتارخوس، Εὐμένης 18,5)، كما في العهد القديم (أي ٢٩، ٢٥ بحسب القانون الإسكندراني: «وأحل حلول الملك من الجيش والمعزي من المحزونين»). وفي القوانين الآخر لدينا عبارة «παθεινοῦς»، قابيل: ٤مك ٥، ٢٥، ١٣، ٢٣، ١٥، ٤). في العهد الجديد، ترد عند بولس لا على شكل كلمة، بل يرد مضمونها في ١كور ١٢، ٢٦ ضمن إطار إكليزيولوجي صرف: «فإذا تألَّم عضو تلَّت معه كل الأعضاء»، قابل مع روم ١٢، ١٥: «فرَحٌ مع الفرحين وباكٍ مع الباكين». لدينا (في رسالة بطرس الأولى) صياغة
۲۱۷