صفحة 228
الإصحاح 3 · رسالة بطرس الأولى
١٤,٣
التفسير
من المؤكد أن صيغة التمنّي تشير إلى أسلوب أدبي³³⁸، ولكن هذا وحده غير كافٍ لاعتبار أن هذه الجملة تتطابق تلقائيًّا مع أشكال الأدب الكلاسيكي. فالرسول يستخدم، بالضبط، الأشكال اللغوية الصحيحة ليخفّف من حدّة التعبير ويتجنّب المواجهة مع السلطات الرسميّة. ولأنه سبق واختبر الاضطهاد فهو يحاول أن ينأى بالأحداث جانبًا، وأن يواجه ظلمًا واضحًا بالكلية ومدوّيًا على أنه متوقع فقط. وتاليًا، انطلاقًا من هذه الروحيّة، يمكننا أن نقرأ هذه الآية على الشكل التالي: «ولكن وإن اضطر الأمر إلى أن تواجهوا الاضطهاد من أجل إيمانكم...». وكما في مواضع أخر (٢، ١٩، ٢٠) فإنَّ فعل «πάσχειν – تألّم» يعني شيئًا أكثر من نبذ اجتماعي، يعني مواجهة العدالة الرومانية كما واجهها المسيح³³⁹. ولكن الرسول لا يغتبط الآلام بحدّ ذاتها، ولو كانت عن ظلم، بل تلك التي تصيب المؤمنين «من أجل البرّ – διὰ δικαιοσύνην»، نتيجة ثبات المؤمن على البرّ الإلهي، وإخلاصه للإرادة الإلهية ولأوامر الكرازة الإنجيلية في عالم معادٍ لله، استبدادي، معتدّ بذاته (مبررًا ذاته بذاته).
«أو العدل»³⁴⁰ هو الميزة المسيحية، هو حضور المؤمن كأيقونة للمسيح في عالم شيطاني وثنيّ، لا يعترف إلا بالتبرير الذاتي كطريق وحيد للحياة والخلاص. إذًا، ليس غريبًا أو مصادفة أن يدان المسيحيون «لأجل البرّ»، لكون وجودهم، بحدّ ذاته، يشكّل تشكيكًا بالأسس التقويمية للعالم الوثني. التصادم لا مفرّ منه، وآلام المسيحين تطوّر طبيعي لمجريات الأمور إذا صح القول. والطبيعي أيضًا هو النتيجة التي يُعبَّر عنها عبر ذلك النوع الأدبي الكتابي المعروف بالتطويبات: «طوبى لكم – μακάριοι» يُضاف إليها ἐστέ في متى ٥، ١١). تختلف هذه الصفة عن كثيرات من مثيلاتها الدنيوية³⁴¹، εὐδαίμων، εὐτυχής وهي مرتبطة بكلمة μάκαρ التي لها علاقة بالفرح المستمر الذي لا يشوبه اضطراب ويتجاوز حدود هذا العالم المنظور، وهنا له صفة أخروية (لا أرضية كما يدّعي Knopf) ويعني الشركة غير المنقطعة مع الله كما في متى ٥، ١١. كما أنه من الممكن (عند Selwyn وغيره هذا أمر مؤكّد)، أن يكون الرسول قد أعاد صياغة قول الرب الوارد في متى ٥ ويتصرّف، بالشكل الذي كان عليه قبل تدوين الأناجيل الإزائية (قابل مع الإنجيل بحسب توما ٦٨ و٦٩ ورسالة بوليكاربوس ٢، ٣).
³³⁸ Blass – Debrunner § 384 and 385,2.
³³⁹ لغرابة الأمر، نورد هنا تفسير الشارح المجهول الاسم الذي يربط هذا الكلام بسلوك المؤمنين تجاه نسائهم (!): «لأن المخلص بعدين ناموس الزواج، غير أن هذا الأمر لم يحدث وقد أمر بتحمل كل أخطاء النساء».
³⁴⁰ حول كلمة «البرّ» (δικαιοσύνη) راجع:
G. Quell andG. Schrenk, δίκη in ThWNT 2,176... R. Bultmann, Theologie des N. Testaments, ²1961, 271... Chr. Müller, Gottes Gerechtigkeit und Gottes Volk (FR, LANT 86), 1964 and H. Seebass in ThBLNT, 502...
³⁴¹ الغبطة عند أرسطو هي εὐδαιμονία السعادة مرفقة مع εὐτυχία النجاح. راجع: 2 Ηθικὰ Νικομάχεια 1099b ...
۲۲۸