صفحة 269
الإصحاح 4 · رسالة بطرس الأولى
٦٤
تفسير رسالة بطرس الأولى
التفصيلية كما سنرى.
أ- الآباء القدماء، يقول إيكومانيوس، فسَّروا جملة «لذلك أُبْلِغَت البشارة» لا كتكملة لما قبلها، ولا كتعديل لما ورد قبلها (...)، لأنَّهم في قولهم «أموات» إنَّما يقصدون بهذه الكلمة الذين تشبَّهوا بموت المسيح وماتوا في هذا العالم، أي ماتوا عن الشهوات الدنيوية، فهؤلاء هم أحياء فقط بالمسح على حسب قول بولس: «وما أحياه الآن في الجسد، إنما أحياه في الإيمان بابن الله» (غل ٢، ٢٠). ويقولون إنَّ الذين ماتوا هكذا في المسيح إنما يُحْكَمون على أنفسهم بالجسد، بسبب إهمالهم لذواتهم، وبسبب حياتهم السابقة التي أمضوها بالكسل والخمول. هذه هي، بالنسبة إليهم، الحياة في الروح أي الحياة بحسب المسيح، لأنَّ حكمهم وإدانتهم على أعمالهم السابقة أحبُّ إليهم مما يحققونه الآن بأيديهم».
ويُعتبر تفسير سفيروس موازيًا لهذا التفسير، مع تركيز أكثر على العنصر النَّسكي: «كرز بالإنجيل للأبرار وأيضًا للخطاة الذين هم موتى في سقطاتهم، لكي يدين هؤلاء أنفسهم، فيفترعون ضد أنفسهم بشريًّا، حاكمين على الجسد، كابحين ذواتهم بآلام التوبة، سالبين لذواتهم الدينونة الإلهية (...)، فيُدان بالجسد عند البشر، مُدَّخِرًا لذاته دينونته لنفسه ليحيا بحسب الله في الروح، على حسب قول رسول الأمم روم ٨، ١٣. كما يظهر البعد النَّسكي، أكثر وضوحًا، عند القديس كيرلس الإسكندراني الذي يربط الأموات بالخطاة الذين أصغوا للمسيح: «الخطاة الذين يتقبلون وصاياه يحكمون على أنفسهم بالجسد عند البشر، كذلك أيضًا يحكمون على أجسادهم، ضمن هذه الحياة البشرية، بأصوام وحرمانات ودموع ومشقات أخر، لكي يحيوا عند الله بالروح متذكرين القول الرسولي: «فإذا كان الإنسان الظاهر فينا سائرًا إلى الخراب، فالإنسان الباطن يتجدَّد يومًا بعد يوم» (٢كور ٤، ١٦). النُّساك، بالمعنى الأوسع للكلمة، هم، بعامة، المؤمنون «الذين لا يحيون حياتهم الخاصة، بل يحيون المسيح في ذواتهم وكأنهم لا يملكون إلا نفسًا. هكذا هم الذين يُدانون بالجسد في هذا الدهر لأجل الله، يواجهون الآلام والعذابات الكثيرة والضيقات، ويتحملون الاضطهاد وبجمل أنواع التجارب بفرح» (ماكسيموس عند Cramer مستشهدًا بالأقدمين). تكمن، بعامة، صعوبة هذه المجموعة من التفاسير في المعنى المناقبي الذي يُعطَى لعبارة «الأموات»، متنزعين، بهذه الطريقة، الآية ٦ مما سبقها. على عكس ذلك، فإن تفسير نهاية الآية ضمن أطر اللاهوت العملادي يبدو واضحًا ويتلاءم ومناخ مجمل الرسالة.
ب- يعتبر إيكومانيوس أن الآية تُنهي النقاش الذي بدأ مع الآية ٣، ١٩ واستمرَّ حتى الآية ٤، ٦. يولَد ذكر الدينونة الأخيرة في الآية السابقة تساؤلاً: «أين يُدان الأحياء وأين يُدان الأموات؟» الجواب بالنسبة إلى الأموات هو في نزول المسيح إلى الجحيم، وفي الكرازة التي تتم هناك. «وهذه الكرازة تصبح لهم حكمًا، أي دينونة. فالذين اكتسبوا حياة فاضلة فسيُلْحَقون مباشرة بمن أظهر لهم، هناك، صلاحه، أما الأشرار الذين أتموا العار فسينالون
٢٦٩