انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

تفسير رسالة بطرس الأولى

أصالة الرسالة

لحجة واحدة، حجة silentio، أي السكوت عن هذا الحدث أو ذاك في الرسالة، أو في مصادر أُخر، الأمر الذي بقي مهمًّا عند من يرفضون أصالة الرسالة. قبل أن نطلع على طيات هذه الحجة التفصيلية، لا بدَّ لنا من أن نلحظ أنَّ التغاضي عن ذكر حدث ما في نصٍّ ما، لا يعني بالضرورة جهل الكتاب لهذا الحدث، بل يعني أنَّ انتباهه كان مركزًا على موضوع آخر، وتاليًا فهو لا يهتم لما نراه نحن مهمًّا. حجة silentio لا يمكن أن تُطبَّق بالذات على نصوص العهد الجديد، التي لأكثريتها طابع ظرفي: عندما تعالج مشاكل معيَّنة تغيب تاليًا مشاكل أُخر.

فلنطلع الآن على العناصر التاريخيَّة التي تغيب عن رسالة بطرس الأولى. أولاً غياب أي ذكر حول الكاتب، ما عدا طبعًا ما ذكر في المقدمة والخاتمة. ولكن هذا ما يحدث أيضًا في رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي، ورسالة كليمس الأولى. في الرسالة الأخيرة يغيب عن النص أي ذكر لكاتب الرسالة: ونقول هنا إنَّ هذا الصمت حجة لصالح أصالة الرسالة، لأنَّ الذكر الدائم لعناصر شخصيَّة، بسبب أو بدون سبب، يشكِّل شبهة، بعكس غيابها الطبيعي.

والضعف عينه يكتنف حجة عدم ذكر عجائب يسوع وأقواله. في ما خصَّ الأقوال، فهذا غير دقيق لأننا، كما سنرى في التفسير، نصادف أصداءً لأقوال سيِّديَّة في مواضع متعدِّدة من الرسالة. أما غياب أي ذكر لأفعال يسوع فهو صحيح، ولكن هذا لا يعني حكمًا أنَّ الكاتب كان يجهلها. فكما يرى Schelkle، فإنَّ هذه الملاحظة تنطبق تمامًا على رسالة يوحنا الأولى، حيث يبدو وكأنَّ الكاتب غريب عن أحداث حياة يسوع. كما أنَّ الإنجيل الرابع يظهر لنا مدى تسرُّع حجة silentio، وضعفها وتزعزعها.

أما الحجة المستقاة من استعمال عبارة «شيخ - Πρεσβύτερος» في ٥، ١ فهي بالأحرى حجة تدعم أصالة الرسالة وليس العكس. لأنَّه من الصعب على كاتب ناحل أن يتخلى عن مناسبة واحدة يستغلها ليستعمل فيها عبارة «رسول» ليدعم أصالة رسالته المنحولة. أما الرسول، فهو على عكس ذلك، ليس مضطرًّا إلى أن يشدِّد على عبارة سبق واستعملها في ١، ١، في الوقت الذي تأتي فيه عبارة «شيخ» متوافقة مع مجمل سياق النص(١). فمن الطبيعي أن يذكر الرسول هؤلاء الشيوخ، بالمسؤولية والشرف اللذين يوليه لهم هذا اللقب المشترك، بينهم وبين زعيم الرسل.

في ما خصَّ انتشار المسيحيَّة، في آسيا الصغرى، فقد تكلمنا عليه. ولكن لا بدَّ من أن نذكر هنا فقط أنَّه يشكِّل حجة واهية، حلقة مفرغة، ذلك بأنَّ التاريخ المتأخر لكتابة الرسالة يُقدَّم كدليل على الانتشار المتأخر للمسيحية في المنطقة والعكس بالعكس. وفي

(١) يعتبر Barclay أنَّ السبب الذي دفع بطرس لاستعمال هذه العبارة هو أنَّ «الشيخ» كان اللقب الأسمى في اليهودية.

٣٧