صفحة 38
أصالة الرسالة
مدخل
ما خصّ الموضوع الأكثر تعقيداً، موضوع الاضطهاد، فسيجري الحديث عنه خلال التفسير. نكتفي هنا بالملاحظة العامة التالية: رسالة بطرس الأولى لا تفترض اضطهاداً منظماً تقوم به هيئات حكومية، بل نوعاً من المقاطعة الاجتماعية أثارتها جماعات يهودية ووثنية، تضررت مصالحها من جرّاء انتشار الدين الجديد. أخيراً الآيات ٢، ١٣-١٧، يمكن أن تكون قد كتبت في عهد نيرون، كما يستدل على ذلك في الآيات الموازية لها عند بولس روم ١٣، ١-٧، ويكفي أن تُفسّر في سياقها التاريخي الصحيح١٠٢. يمكننا أن نستنتج عبر تفحصنا البراهين التاريخية الداعمة لرأي مناهضي أصالة الرسالة بأنها غير كافية.
♦ لننتقل الآن إلى البراهين اللاهوتية. لا يمكننا أن نتفحص أية آية، تلك الآيات الموازية لآيات رسائل بولس والتي تبرهن، كما يدّعي رافضو أصالة الرسالة، ارتباطها برسالتي أفسس وروما. يحمل هذا العمل صفحات هذا الكتاب تفاصيل لا فائدة منها للقارئ العادي، وسيكون تكراراً لأمور غدت معروفة عند الباحثين. تؤكد المقاربة الدقيقة التي عرضها Selwyn في تفسيره البارع لهذه الرسالة، أن المحاولات التي قام بها المفسرون الأقدمون لإيجاد هذا الترابط، لم تكن سهلة وهي من دون سند تاريخي ولاهوتي. ومن دون أن نلج إشارات تفصيلية، سنكتفي بإلقاء الضوء على القاعدة التاريخية-الأدبية للتشابهات في خطوطها العريضة، والتي تفسّر تماماً استعمال بطرس جملاً وعبارات وصوراً «بولسية».
بات من المسلّمات المتفق عليها من قبل جميع المفسّرين، أن نصوص العهد الجديد تحوي عناصر كثيرة مصدرها التقليد الليتورجي والتعليمي Catéchétique، والذي كان في طور تشكله. الدراسات التي غطت نصف قرن من الزمن، والتي أجريت على تاريخ ما يسمّى بالأشكال ما قبل الأدبية (Formgeschichte)، وعلى تسليمها خلال التاريخ الكنسي، الذي يغطي الحقبة الرسولية كما عرفناها عبر نصوص العهد الجديد، (Traditionsgeschichte) وتدوينها بطريقة جعلتها تندرج عضوياً في الأطر اللاهوتية لأسفار العهد الجديد (Redaktiongeschichte)، قد غيّرت جذرياً ليس فقط البراهين والطرائق، ولكن مجمل تصورنا لولادة نصوص العهد الجديد. رأى الأقدمون أن التشابهات هي نتيجة ارتباط نص بنص آخر سابق له. هكذا مثلا افترض أنه كانت أمام بطرس نسخة عن رسالة أفسس، أو أنه تناقش مع بولس في روما حول مواضيع رسالته. اليوم، من الصعب أن نتبنّى فكرة ساذجة كهذه، لأن ما عرضناه يقودنا إلى بعض التأكيدات
١٠٢ أنظر لاحقاً تفسير الآيات.
۳۸