انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

أصالة رسالة بطرس الأولى

الثابتة، مثل وجود تقليد تعليميٍّ مشترك عند الكنيسة الأولى، شكَّل جدولاً من التعابير، أو بشكل عام لاهوتاً متفقاً عليه عند الجميع، وموضوعاً قيد الاستعمال طبيعياً من قبل كل من بطرس وبولس. فلا بطرس نسخ عن بولس ولا العكس، بل كلاهما استقيا من خزنة تقليد الكنيسة الأولى، تعابيرهما وصورهما، وأدرجاها عضوياً ضمن أسلوبهما الشخصي. ولإيضاح ما نقول سنعطي مثلاً عن الآيات المتعلقة بطبيعة المعمودية. (أنظر الجدول الوارد في الصفحة التالية)١٠٣.

بدا واضحاً أنَّ جدول التعابير المتعلق بالمعمودية كإعادة ولادة، ورفض شرور الحياة السابقة، كان يشكِّل «ركناً تعليمياً» في الكنيسة الأولى، كان الكتاب القديسون يدرجونه كل مرة ضمن نصوصهم، كل بحسب ميزته اللغوية الخاصة به. من المستحيل الكلام على ارتباط أو استلاف أحدهم عن الآخر، عندما تفسَّر بطريقة عفوية هذه التشابهات على أنها انطلاقاً من ظاهرة الانتشار الواسع لتعابير عمادية مشتركة. ويمكننا التأكد من هذا القول، في أكثرية الآيات المتوازية التي يقدِّمها لنا الذين يصرُّون على ارتباط رسالة بطرس الأولى بمثيلاتها البولسية١٠٤. كما أنَّ غياب المصطلحات اللغوية التي نصادفها عند بولس عن رسالتنا، يكفي ليؤكد عدم وجود ترابط مباشر بل تطابق لأفكار لاهوتية. وهذا أمر طبيعي، طالما أنَّ المصدر واحد، وهو لاهوت الكنيسة الأولى، التي تشكَّل ضمن المحيط المسيحي – اليهودي المتهلِّن في سورية وفلسطين. فبطرس هو معبِّر عن لاهوت، جذوره هلنستية (ذو لون يهودي بدءاً)، ومسيحية لاحقاً، مع ظهور إستيفانوس وما بعده، وامتداده في عصره جامعي Catholique، لأنَّ مجمل كتاب العهد الجديد كانوا يتقاسمونه. ليس طبيعياً ولا يصح تاريخياً أن نتكلم على لاهوت بولسي في كل مرة نصادف الأفكار ذاتها، كما فعل الأقدمون بعدما رفع أتباع مدرسة النقد التاريخي (Historich-Kritische Methode) الرسول بولس إلى رتبة «المؤسس الثاني» للمسيحية. فبولس يعتبر أكبر لاهوتيي الحقبة الرسولية، وكان أكثرهم انتشاراً في تلك المرحلة، ولكن لا يمكننا أن نتجاهل وجود لاهوت واسع الانتشار قبله ومعه، لاهوت تشكَّل من الجماعات المسيحية الهلنستية، وذلك خلال السنين الأولى التي تلت قيامة المسيح. فلاهوت بولس يدين بالكثير إلى هذا التيار الغني بالأفكار والأشكال. فيعتبر بولس معبِّراً عنه وفي الوقت عينه مكوِّناً له. وهذا الأمر ينطبق بالطبع على الرسول بطرس، الذي شارك في تكوين هذا المصدر المشترك وفي الوقت ذاته استقى منه١٠٥.

١٠٣ هذا الجدول مأخوذ من التفسير الذي كتبه Selwyn، ص ٣٩١.

١٠٤ راجع العرض التفصيلي عند Selwyn، ص ٣٣ وما يليها، وما يستنتجه في الصفحات ٤٥٨ – ٤٦١.

١٠٥ ما يؤكد بوضوح الفكرة القائلة بأنَّ هذا المصدر المشترك، يمكن أن يكون تسليماً شفوياً، يعكس إيديولوجيا معينة هو حادثة معاصرة يذكرها 8 .Selwyn. إذ يقول إن البروفسور H. Temperly في رسالة وجهها إلى الـ Times يشير إلى موازاة

٣٩