صفحة 47
تفسير رسالة بطرس الأولى
ليجدوا الخلاص في طقوس سحريّة، وأحلام اجتماعية، وتأقلم انتهازي مع كل ما هو سائد، في سكينة فكر فلسفي يلقيك خارج العالم. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ كل هذه الأناجيل لم تخلق معاناة، ولم تتطلّب تضحيات، ولم تفطم الإنسان عن الأمان الناجم من انخراطه في النظام السياسي - الاجتماعي القائم، أو المقبول من الجميع. وحلّه إنجيل المسيحية يسبب المشاكل لمن يبغي اتباع خطى المسيح. اختبر المؤمنون الذين تلقوا الرسالة هذه الحقيقة ولكن في الوقت عينه، تبقى هذه الحقيقة الأمر الوحيد الذي ذكرهم به الرسول: تتطلب المسيحية من أتباعها مقاومة العالم الوثني، انطلاقًا من أنها تشكل حياة جديدة في عالم جديد دشّنه المسيح. أخيرًا، حاضر المسيحيين تحدّده قطعيًّا خصوصيتهم المسيحية التي تجعله مناهضًا لمختلف «أناجيل» عصره. ونظن أننا لسنا بحاجة إلى أن نذكر ظواهر موازية في عصرنا، حتى نتبين ملاءمة الرسالة لهذا العصر، إذ لدينا جميعًا خبرة يومية لأنبياء ورسل كاذبين من كل نوع.
٢- عرض عمل المسيح الخلاصي يتم داخل إطار إكليسيولوجي. التطرق الدائم إلى العماد، استعمال ترانيم وعناصر ليتورجية، التعليم حول كنيسة تسلك «غريبة مشتتة» في العالم، كلها تذكر القارئ بأن ضمانة الخلاص هي فقط في الانخراط في شعب الله الجديد، في كنيسة المسيح. لهذا الأساس الإكليسيولوجي لمفهوم الخلاص قيمة أولية في عصرنا، الذي فيه يترافق بطريقة مَرَضِيّة ازدهار المداولات اللاهوتية حول مفهوم الكنيسة مع حسّ كنسي عليل لدى المؤمنين، ومع روح تديّن فردي حادّ. هذه الرسالة تذكرنا بضرورة الإسراع في عملية إعادة تقويم، من قبل كل مؤمن، لموقعه داخل جسد المسيح. عندما يشعر المؤمنون أنهم يشكلون جميعهم جسد المسيح الواحد، حينها فقط يصبح ممكنًا التطبيق العملي للأوامر الإنجيلية، ذلك بأن الأخلاق ليست إلا تعبيرًا لخَاصِّيَّة المؤمنين كأعضاء لجسد المسيح. الكل يطالب بالتوافق بين الخلق والعقيدة، بين الإيمان والحياة، هكذا فقط تظهر مصداقية المسيحية في العالم. هذا التلاحم ممكن فقط، عندما يكون هناك انخراط وشهادة حيّة للمؤمن داخل شركة القديسين، باختصار، الحياة المسيحية كتعبير عن الولادة الجديدة في المعمودية لا تتحقق إلا من قبل من يملك فكرًا كنسيًّا، وإلا فنحن في انحراف عن طريق الرب، كما رسمها لنا الرسل والقديسون وعاشوها.
٣- يظهر لنا الخلاص المعاش في الكنيسة، عبر رسالة بطرس الأولى، كشركة لأعضائها مع بعضهم البعض ومع العالم. وبالأخص، فالعلاقات الكنسية مع العالم لا تستقيم إلا إذا تمحورت حول قطبين: الشعور بأن المؤمنين هم «غرباء مشتتون» في العالم، والرجاء الأكيد بقرب مجيء الرب. الشعور بالغربة يمنع الكنيسة من أن تتماهى نظريًّا وعمليًّا مع أوضاع هذا العالم وأشكاله، ويعطيها القوة أن تحيا نسكيًّا، وأن تخلع عنها كل اهتمامات دنيوية حبًّا
٤٧