انتقل إلى المحتوى الرئيسي
🎉 مرحباً بك في مكتبة تفاسير الكتاب المقدس

صفحة 54

الإصحاح 1 · رسالة بطرس الأولى

رسالة بطرس الأولى

٤٥

التفسير

هي في أن نعتبر النعتين اسمي ذات، ويكون الثاني بدلاً للأول، والشتات كمضاف لتحديد المصدر، الذي سَيُوضَّحُ في ما بعد عبر أسماء المواقع الجغرافية التي تليه. يتوجّه بطرس إلى المؤمنين، الذين يعيشون الحياة الحاضرة وكأنّهم عابرون في هذا العالم، ويتحدرون من الشتات المسيحي، أي بالتحديد من مقاطعات البنط، غلاطية...

يعرّف الرسول المرسل إليهم بـ«المختارين ἐκλεκτοῖς» بمعنى المنتخبين، المصطفين، المميزين من الله عن مجمل البشر. فكما أنَّ الله قد انتقى إسرائيل القديم (لاويين ٢٧، ٤؛ أش ٤٥، ٤؛ مز ١٠٤، ٦) وجعله أمة مميزة عن العالم الوثني، فالأمر ذاته يحدث الآن مع شعب الله الجديد، بحسب التقليد المسيحي المجمع عليه في الكنيسة الأولى (متى ٢٤، ٢٢؛ لو ١٨، ٧؛ روم ٨، ٣٣؛ كول ٣، ١٢؛ طي ١، ١؛ رؤ ١٧، ١٤). ومن المميز أنَّ هذا الاختيار، وهنا أيضًا، هو اقتلاع من المحيط وإدراج ضمن جنس بشري جديد، ضمن كنيسة المسيح. ولكن هنا الفرق واضح، لأنَّ الكنيسة لا تضم أمة واحدة بل بشرًا من كل الأمم. وما يجمع بين هؤلاء المؤمنين هو ميزتهم بأنَّ الله اختارهم، وعلى هذا الاختيار ترتكز وحدتهم وعصبتهم. أي أنَّ تعريفهم بالمختارين جاء ليؤكد المصدر الإلهي للكنيسة، والضمانة الإلهية بحفظها وصيانتها، وليس فقط بعدها الأفقي كما يرى Goppelt.

إذا الله وحده يمسك ويجمع، في جسد سري، شعبه في هذا العالم الحاضر، لأنَّ المؤمنين، في الظاهر، لا تبدو عليهم ملامح التماسك واللحمة، إذ هم غرباء رحالة «παρεπίδημοι». هذه العبارة مستعملة في الفيلولوجيا القديمة، وتعني الإنسان المقيم مؤقتًا في أرض الغربة. وتستعمل في الفكر الفلسفي للدلالة على الميزة المؤقتة لحياة الإنسان على هذه الأرض، مقابلة مع موطنه السماوي. فبالنسبة إلى كاتب أكسيوخو (Ἀξιόχου) فإنَّه «يهمس للجميع» بأنَّ «الحياة مؤقتة»١٧. وإلى المبدأ ذاته يستند البيثاغوري إيبارخوس (Ἵππαρχος): «بما أنَّ الوقت الذي يملكه البشر لحياتهم، بالنسبة إلى متفحص الأمور، قصير جدًّا مقابلة بالدهر ككل، فهم يصنعون حسنًا جدًّا في هذا العمر بعيشهم (إيَّاه)، من أجل الفرح كما لو كان رحلة قصيرة (في بلد غريب)»١٨. أما الكاتب القديس فكانت أمامه إما الصفة التي أطلقها إبراهيم على نفسه في سفر التكوين ٢٣، ٤، أو أقوال المزمور ٣٨، ١٣ الذي يختصر قرونًا من التاريخ الإسرائيلي:

«فإنّي غريب عندك
ونزيل كجميع آبائي».

المسيحيون هم غرباء بحسب المعنى الكتابي، الذي تعبّر عنه آيات المزمور المذكورة،


١٧ ينسب هذا الحوار، مع عدم التأكيد، إلى أحد أتباع سقراط Αἰσχίνη إسخينيس، ولكنه بالتأكيد ليس من مؤلفات أفلاطون.

١٨ Ἱππάρχου, Περὶ εὐθυμίας στὸ Στοβαῖο, 4,44,81 (VS 2,228).

٥٤