صفحة 55
الإصحاح 1 · رسالة بطرس الأولى
۱۰
تفسير رسالة بطرس الأولى
وليس بحسب المعنى العام الذي نجده في النظرة الهلينية للعالم الحاضر. الكنيسة تتغرّب في العالم لأنها مصطفاة من الله، لأنها دعيت، كما دُعي إبراهيم، لتبدّل مكان سكناها. لسنا هنا أمام حدث طبيعي شامل، بل أمام إحدى متطلبات الاختيار الإلهي. هذا ما يتوضح لنا ليس فقط في هذه الرسالة، ولكن في نصوص أُخر عديدة، تعود إلى الحقبة المسيحية الأولى (أنظر لاحقاً تفسير الآية ٢، ١١). إذاً لسنا أمام أصداء لمواطنية عالمية قديمة (Cosmopolitisme) أو لثنائية أفلاطونية – أورفية (Orpho - platonique) أو لما يشبه الأممية المعاصرة، بل أمام وجه ديني يستند إلى يقين مباينة الكنيسة هذا العالم، بسبب اختيارهم (الكنيسة) من قبل الله١٩.
تُحدِّد دائرة المرسل إليهم بشكل أوضح عبر المضاف إليه «الشتات – διασπορᾶς»، الذي يدل على أصلهم: ينتمون إلى المجتمع المسيحي المبعثر في العالم، في جزر كنسية صغيرة، وسط محيط العالم المضادّ. هذه العبارة٢٠ معروفة في العهد القديم حيث تعني، من جهة، واقعة وجود جماعات يهودية بين الوثنيين، ومن جهة أخرى، الجماعات اليهودية نفسها والمكان الذي توجد فيه هذه الجماعات (لاو ٢٨، ٢٥ إر ٣٤، ١٧... أش ٤٩، ٢. ٦ مك ١، ٢٧. يهود ٥، ١٩). مواجهة هذه الواقعة التاريخية، والتي بدأت مع الأسر البابلي (٤ مل ٢٤، ١٤... ٢٥، ١١...)، تتغيّر مع الزمن. فالأنبياء المعاصرون للأسر يرون في «الشتات» النفي بشكل عام أي تدخل الله (إر ١٧، ١-٤. حز ١٢، ١٥) الذي يعاقب شعبه على خطاياه. ولكن بعد مرسوم كورش، الذي ترك حرّية الاختيار بين الإقامة الطوعية في بابل، والانتقال إلى أماكن أُخر، فإنّ أنبياء ما بعد السبي، يرون في شتات شعب الله فعلاً إيجابياً لله، أي دعوة للأمم بواسطة إسرائيل (أش ٦٠. زك ٨، ٢٠... حج ٢، ٦...). وبهذا المعنى استعملت هذه العبارة في يو ٧، ٣٥٢١. ولكن كلمة «الشتات» «διασπορὰ» في يع ١، ١ لا تعني إسرائيل بل الكنيسة٢٢. والمعنى عينه تحمله هذه العبارة في الآية التي نفسّرها الآن، وهذا ما يقبله مجمل المفسرين المعاصرين. أما رأي الأقدمين (إيكومانيوس وثيوفيلاكتوس) بأنّ المقصود هنا الشتات اليهودي، فهو يفترض أنّ المرسل إليهم هم بأغلبيتهم من أصول يهودية وهذا، كما رأينا في المقدمة، لا يتوافق مع مضمون الرسالة. إذاً لدينا نقل لعبارة تقنية من إسرائيل.
١٩ يشدّد Schelkle على أن «الكنيسة تبقى دوماً غريبةً عن العالم، أقلية صغيرة. المسيحيون ليسوا غرباء لكون العالم يصدّهم، وهم لذلك يعتبرون العالم شراً، ولا لأنهم قد انسحبوا من العالم لذا هم يحتقرونه، بل لأنهم متميزون عن العالم كمختارين. عبارتا غرباء ومختارين تدلان على التوتر بين تاريخ وتاريخ خلاص». أنظر أيضاً Gunkel في تفسيره هذه الآية.
٢٠ راجع مقالة K. L. Schmidt في: ThWNT 2,98.
٢١ «شتات الأمم τῶν Ἑλλήνων» هو شتات اليهود في العالم الهليني، راجع: Π. Τρεμπέλλα, Ὑπόμνημα εἰς τὸ κατὰ Ἰωάννην Εὐαγγέλιον, 1954. And J. Schneider, das Evagelium nach Johannes, 1976 في تفسيره الآية.
٢٢ Σ. Ἀγουρίδη, Ὑπόμνημα εἰς τὴν ἐπιστολὴν τοῦ ἁγίου Ἰακώβου, 1956. And M. Dibelius - H. Greeven, Der Brief des Jakobus, ¹¹1964 في تفسيره الآية.
٥٥