صفحة 58
الإصحاح 1 · رسالة بطرس الأولى
٢٠١
التفسير
بدأت تعصف في وجوههم مقاومة العالم الوثني المحيط بهم.
٢) في الآية الثانية، تُحدِّد بدقة أكثر، الجماعات المرسل إليها عبر تعبير ثلاثي وهو الوقت عينه ثالوثي (Triadologique). ربط المفسّرون القدماء هذه الآية مع عبارة «ἀπόστολος رسول»، معتبرين ربّما المقدّمة نموذجًا موازيًا لمقدّمات رسائل بولس الرعائية، حيث نصادف فيها تحديدات مرتبطة برتبة بولس الرسوليّة. ولكن المفسّرين المعاصرين أهملوا، عن حقّ، هذه الصيغة الإنشائية التأخيرية (Hyperbate) وربطوا ثالوث التحديدات بالمرسل إليهم أي بعبارة «ἐκλεκτοῖς παρεπιδήμοις – المختارين الغرباء» إذ لها «تنتمي قواعديًّا وحقيقة هذه التحديدات» (Schelkle). التعبير هنا كثيف في مضمونه وله طابع احتفاليّ مُختصّ بالتلاوات الليتورجيّة (Gunkel). لدينا هنا بكلمات قليلة وصف لمسيرة شعب الله من البدء (المعرفة المسبقة – πρόγνωσις) حتّى النهاية (التقديس ἁγιασμός) مرورًا بالحقيقة اليومية (الطاعة – ὑπακοή)، من دون أن يُترك أي مجال للشك في من اختار (الآب)، ومن شكّل في جسد (يسوع المسيح)، ومن قدّس الكنيسة (الروح القدس). القاعدة الثالوثية للإكليسيولوجيا تظهر هنا بوضوح، كما أنه في الوقت عينه يتبنّى لنا الوجه الإكليسيولوجي – الخلاصي للتعليم الثالوثي، وكل هذا عبر آية واحدة!
تبدأ العريضة الثالوثية بتحديد سبب الاختيار: «بحسب معرفة الله المسبقة – κατὰ πρόγνωσιν Θεοῦ πατρός». المعرفة المسبقة٣٣ لله الآب" ليست لها أي علاقة بأي نوع من القدرية والجبرية ولا بأي معرفة مسبقة حيادية (neutre) لمسيرة الكون والإنسان، بل المقصود بها رغبة الحبّ الإلهي، الرغبة التي قبل كل الدهور، في خلاص مخلوقاته، أي ما نسميه عادة «التدبير الإلهي». فمعرفة الله المسبقة ليست عنايته بحفظ الكون، إنما هي إرادته ومحبّته الأزليتان اللتان ظهرتا في تجسد الابن، في إعادة بناء الكون وإعادة خلق الإنسان. هي إذًا ليست إدراكًا مسبقًا حياديًّا للموقف الشخصي الذي يتخذه البشر تجاه عطية الحبّ الإلهي – كما يُشدَّد عليه عادةً لصدّ المفهوم الخاطئ للقضاء والقدر المطلق، بل هي تجلّة واهتمام مستمر من أجل الإنسان حتى يقبل الخلاص. الله يعرف الإنسان أزليًّا (روم ٨: ٢٩) بمعنى أنه يعمل كل شيء ليخلّص الإنسان، مختارًا إياه، مقدسًا إياه، وواهبًا إياه كل ما هو ضروري لخلاصه. معرفة الله هي المحبة التي تهب وجودًا حقيقيًّا للإنسان (غل ٤: ٩).
المعرفة المسبقة، بالمعنى الذي أوردناه، هي من صفات الله «الذي لكونه يختار يحبّ، يقدّم لنا كـ آب» (Schelkle). كما أن المعرفة المسبقة، بمعنى المحبة والاختيار، تظهر لنا في
٣٢ يهود ٦، ٩، ١١، ١٩؛ أع ٣٢،٢.
٣٣ غياب τοῦ، ال التعريف، في النص اليوناني يشير إلى صيغة نموذجية ثابتة في الاستعمال الليتورجي. راجع روم ١، ٧؛ ١كور ١، ٣؛ ٢كور ١، ٢؛ غل ١، ٣...
٥٨