صفحة 94
الإصحاح 1 · رسالة بطرس الأولى
١٠١
إعادة
تطور ظاهرة النبوءة. ليس المجال هنا لعرض تاريخ النبوءة، لكن من الضروري، لفهم هذه الآية، أن نذكر أن حقبة العهد الجديد كانت تفتقد بحقٍّ حضور الأنبياء بالمعنى الكلاسيكي للكلمة: رجال مدعوون من الله، يدافعون، يُنبئون، يعلِّمون ويشدِّدون شعب الله خلال الأوقات الحرجة، ويتكلمون بأصالة مستمدة من الله، وله وحده يقدمون حسابًا. وقد أراد كتاب الأدب الرؤيوي أن يملأوا هذا الفراغ، فاضطروا إلى أن يلجأوا إلى شخصيات قديمة تتمتع بأصالة بارزة، فكانوا ينتحلون كتبهم بهذه الأسماء. وبسبب انهماكهم بمستقبل الشعب اليهودي، المضغوط عليه سياسيًّا ودينيًّا، أسهموا في إعادة إحياء المفهوم الكلاسيكي للأنبياء، انطلاقًا من الواقع الجديد. ففي زمن بطرس، وبموازاة مشروع إعادة إحياء هذه الرتبة القديمة في أحضان الكنيسة، (راجع ما ذكر عن الأنبياء في رسائل بولس وفي أعمال الرسل والديداكية)، برز مفهوم أنبياء العهد القديم الذي نصادفه في الآية التي نحن في صدد تفسيرها هنا: أنبياء يُنبئون بقدوم المسيح وتحقيق مواعيد الله لخلاص شعبه. هذه الخدمة التي أنجزها الأنبياء، ضمن مخطط الله الخلاصي، كانت علامة مشتركة عند الرسول بطرس، وفي مجمل أسفار العهد الجديد (أنظر أمثلة عن ذلك في تفسير الآية التالية). لذا فهو لا يذكر أسماء الأنبياء وشهادات محددة لهم – فهذه كلها معروفة عند القراء عبر حلقات التعليم١٢٥ – بل يكتفي بذكر عام لتحديد إضافي «متنبئين بالنعمة المعدة لكم».
«النعمة – χάρις» هي رحمة الله تجاه الإنسان الخاطئ، وفي الوقت عينه، هي نتيجة هذه الرحمة، أي أنها الخلاص. يستعمل بطرس هذه العبارة كأمر بديهي١٢٦ وعمليًّا هي مرادفة للخلاص١٢٧ ومن دون أن يتطرق إلى موضوع التبرير بالنعمة، كما عالجه بولس١٢٨. وهنا أيضًا نحن أمام نموذج لعبارة شائعة الاستعمال في اللغة اللاهوتية للحقبة المسيحية الأولى، وهي في الوقت عينه متعددة المعاني، وليس من السهل أن نتكلم على تبعية، كما يجري غالبًا. النعمة هي، بالنسبة إلى الرسول بطرس، الخلاص الذي يمنحه الله للإنسان بدافع المحبة، «فعل صافٍ للعطف والرأفة الإلهيين» (Windisch)، وهي أعطيت «لكم – εἰς ὑμᾶς» أي لجمل المؤمنين ولكل منهم شخصيًّا. فعبارة «لكم» توقظ من جهة أخلاقيتهم،
١٢٥ ولكن النبوءة لا تتطابق دائمًا مع العرافة. أنظر المراجع التالية: Πλάτωνα, Χερίδης 173C, Τίμαιος 71e – 72b, Εὐριπίδη, Ὀρέστης 363... Πινδάρου, Νεμεόνικος 1,60... لمعلومات أكثر حول مفهوم النبي في العالم الهليني، أنظر: Kramer, Rendtorff, Meyer, Friedrich in ThWNT 6,781... وحول النبوءة في زمن المسيح، راجع: I. Παναγοπούλου, Ὁ Προφήτης ἀπὸ Ναζαρέτ, 1973,21... Βλ. σχετικῶς μὲ τὴ συλλογὴ μαρτυριῶν ὅσα λέγονται στὴ μελέτη μου Ἡ ἀνάστασις τῶν νεκρῶν, 116 ἑ.
١٢٦ Conzelmann, “χάρις κλπ.” in ThWNT 9,389.
١٢٧ G.P. Wetter, Charis (UNT 5), 1913, 84...
١٢٨ R. Bultmann, Theologie des N. Testament, 51965, 532.
٩٤